انتهت نافذة الانتقالات الصيفية 2025، أُسدل الستار على سوق لا يشبه أيًا مما سبقه. كل فريق شكّل ملامح كتيبته، نعم، وحدد الأسماء التي سيخوض بها غمار الموسم الجديد، ولو إلى حين، نعم، لكن الأرقام لم تعد مجرد أرقام؛ بل أصبحت عنوانًا لمرحلة مُختلفة تمامًا: ملايين تُصرف بلا هوادة، وصفقات متوسطة كسرت حاجز التوقعات.
|
| أغلى لاعبين الدوري الإنجليزي عبر التاريخ |
هذا إلى جانب الأرقام الجنونية التي أصبحت تُدفع في لاعبين الفئة الأولى أمثال ألكسندر إيزاك إلى ليفربول. لحظة بدت وكأنها إعلان رسمي بأن قواعد اللعبة المالية في البريميرليج لم تعد كما كانت. بعد فصلًا دراميًا، معركة قانونية، بين لاعب ونادٍ، قدَّمت لنا أكبر رقمٍ قياسي جديد في تاريخ البريمير ليج "طالع تفاصيل الصفقة"؛ لكن، ما الذي تعنيه هذه القفزات الفلكية؟ هل هي مجرد انعكاس لجنون التضخم المالي الذي يشده العالم، أم أن الموضوع له أبعاد مُختلفة.
أغلى 10 صفقات في تاريخ البريمير ليج: ماذا تغيّر بعد صيف 2025؟
بدايةً ولنضع الأمور في نصابها الصحيح، دعونا نتناول كيف كان شكل قائمة أغلى 10 صفقات في تاريخ الدوري الإنجليزي قبل نافذة انتقالات صيف 2025. انتقال إينزو فيرنانديز لتشيلسي يناير 2023 قادمًا من بنفيكا البرتغالي، هو الرقم الذي ظل مُتماسكًا على رأس القائمة لفترة ليست بالقصيرة (بمقاييس السوق الحالية على الأقل)، وتبدّلت القائمة بشكل مُتسارع، حتى باتت الأرقام تُكسر في بضع شهور، لا سنوات، جاءت الأرقام وفق شبكة سكاي سبورتس الإنجليزية.
| أغلى 10 لاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز | ||||
| اللاعب | من | إلى | السنة | القيمة "جنيه استرليني" |
| ألكسندر إيزاك | نيوكاسل يونايتد | ليفربول | 26/25 | 130 مليون |
| فريان فيرتز | بايرن ليفركوزن | ليفربول | 26/25 | 116 مليون |
| إينزو فيرنانديز | بنفيكا | تشيلسي | 24/23 | 108 مليون |
| مويسيس كايسيدو | برايتون | تشيلسي | 25/24 | 115 مليون |
| ديكلان رايس | وست هام | آرسنال | 25/24 | 105 مليون |
| جاك جريليش | أستون فيلا | مانشستر سيتي | 21/22 | 100 مليون |
| روميلو لوكاكو | إنتر ميلان | تشيلسي | 21/22 | 97.5 مليون |
| بول بوجبا | يوفنتوس | مانشستر يونايتد | 16/17 | 93.3 مليون |
| روميلو لوكاكو | إيفرتون | مانشستر يونايتد | 17/18 | 90 مليون |
| ميخايلو مودريك | شاختار دونيتسك | تشيلسي | 22/23 | 88.5 مليون |
من بوجبا إلى إيزاك — كيف كُسِر سقف أغلى صفقات البريمير ليج؟
بالنظر إلى الأرقام نجد جميعها خلال السنوات القليلة الأخيرة، وفضلاً عن صفقتي بوجبا إلى يونايتد قادمًا من السيدة العجوز، الرقم الذي ظل مُحافظًا على مجد الأغلى في تاريخ الدوري الإنجليزي لخمس سنوات مُتتالية، وروميلو لوكاكو إلى يونايتد قادمًا من إيفرتون. يظهر الرقم القياسي وكأنه أشبه بوميض خاطف، كسره كُل موسم لن يُصبح بالأمر المدوي بعد الآن، فيما لن ننتظر إلا موسم أو موسمين على الأكثر، حتى نرى القائمة جميعها لا يقل فيها رقم عن 100 مليون جنيه إسترليني.
هذا ما أكده روب سكوت -المدير التنفيذي لشركة Aaron Wallis والمتخصص في توظيف فرق المبيعات - في دراسة نُشرت على موقع الشركة في مارس 2021 بعنوان «كم ستبلغ قيمة انتقالات لاعبي كرة القدم بعد 10 سنوات؟»، يذكر سكوت أن ما كان يُعد صفقة جيدة بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني في عام 2017 قد ارتفع الآن إلى أن أصبح سعر اللاعب الجيد في الدوري الإنجليزي لا يقل عن 35 مليونًا، مما يعكس سرعة وتيرة التضخم في سوق الانتقالات.
وبالاعتماد على نموذج حسابي اعتمدته الدراسة، فإن أسعار الصفقات الكبرى ترتفع بمعدل مُركّب يُناهز 11.25% كمتوسط سنوي تقريبي، ما يُعني أن الصفقة التي تساوي 75 مليون جنيه استرليني اليوم قد تقترب من 220 مليونًا بعد عقد واحد فقط. هذه ليست مجرد أرقام رياضية، بل مؤشر على أن السوق يسير بُخطى ثابتة نحو مستويات غير مسبوقة، في حين ترتفع الانتقالات سنويًا بنحو 21% تقريبًا.
|
| بواسطة الدراسة المُشار إليها |
هذا ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل واقع تؤكده تفاصيل السوق يومًا بعد آخر. فمع انتهاء موسم الانتقالات الصيفية 2025 تجلى لنّا صدق هذه الأرقام. حيث أنّ صفقات تبدو "عادية" على الورق باتت تُبرم بأرقام مُذهلة "جاريل كوانساه إلى بايرن ليفركوزن مقابل نحو 35 مليون جنيه إسترليني، ميلوس كيركيز إلى ليفربول بـ 50 مليون يورو، وليام ديلاب إلى تشيلسي مقابل 30.5 مليون جنيه إسترليني"، وعلى سجية هؤلاء هناك الكثير، هذه الأسماء لا تُصنَّف ضمن الفئة الأعلى سعرًا، ومع ذلك تكشف أن القيمة لم تعد مرتبطة بالأداء وحده، بل باتت انعكاسًا مباشرًا للاتجاه التصاعدي في السوق.
الأمر لا يقف هنا. بل حتى الصفقات قصيرة الأجل دخلت هذا المسار الجنوني. فعلى سبيل المثال، دفع ريال مدريد نحو عشرة ملايين يورو "8.6 مليون جنيه إسترليني" لضم ترينت ألكسندر أرنولد على سبيل الإعارة لشهرٍ واحد فقط، بهدف المُشاركة في كأس العالم للأندية. هذه الحالة الاستثنائية أوضحت بجلاء أن كرة القدم لم تَعُد تبيع "الحاضر" وحده، بل تستثمر في "توقّع المستقبل". ما كان يُقدَّم سابقًا كنموذج حسابي في الدراسات البحثية، وعلى مواقع الإحصائيات المختلفة، تحوّل اليوم إلى واقع يتكرّس موسمًا بعد آخر، في حين تأتي رسوم الصفقات الأغلى على هذا النحو.
|
| بواسطة الدراسة المُشار إليها |
ما العوامل التي أدت إلى هذه النسب السنوية؟
قد يتساءل البعض: لماذا تقفز الأسعار بهذا الشكل موسمًا بعد آخر، بينما عاشت كرة القدم عقودًا طويلة في استقرار نسبي؟ الكاتب البلجيكي المتخصص في الشؤون المالية لكرة القدم، عبدالسلام الفنيش، تناول هذه الظاهرة في بحثه «الثورة المالية في كرة القدم»، وخلص إلى مجموعة من العوامل الرئيسية في خضم ارتفاع رسوم الصفقات في عالم المستديرة:
- تدفق رؤوس مال دائم : مع سيطرة صناديق الاستثمار الخاصة "MCO" على معظم الأندية، بات البحث الأول عن البُنية السريعة والصرف الدائم يزيد من قيمة الصفقات، لمحاولة تحقيق أهداف تختلف من مجموعة لأخرى بين (استثمارية، تجارية، رياضية، تسويقية).
- تحوّل اللاعب إلى أصل استثماري : اللاعب أصبح أصلًا يؤمّن عوائد تجارية وإعلامية، وليس مجرد عنصر فني داخل الملعب، فيمكن دفع ملايين الجنيهات الإسترلينية ولا ريب في أنه سيغطي كلفته فقط من مبيعات القميص الخاص به.
- عامل التنافسية : الأندية الكبرى لا تتردّد في دفع مبالغ فلكية لتأمين مستقبلها التنافسي، سواء على المستوى الرياضي أو التجاري ولا سيما حفظ واجهة العلامة التجارية من المنافسين.
- تضخُّم السوق : التضخم المالي الاقتصادي الذي نشهده كل سنة لا شك أنه له دور نسبيًا، هذا أيضًا رصده تحليل نشره موقع Sky News بعنوان «من هو أغلى لاعب في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز؟».
ما هو المقصود بصناديق الملكية المُتعددة "MCO"؟
شبكات الملكية المتعددة، أو ما يُعرف بـ Multi-Club Ownership (MCO)، لم تعد مجرد فكرة نظرية تُطرح في المؤتمرات أو على أوراق الدراسات؛ بل تحولت إلى واقع يفرض نفسه على كرة القدم الحديثة. تقوم هذه المجموعات الاستثمارية بامتلاك عدة أندية في وقت واحد، بهدف تنويع الأصول، تعزيز العلامة التجارية، والتحكم في حركة اللاعبين والمواهب بما يخدم "النادي الأم" داخل المجموعة. إلى جانب ذلك، هناك أهداف تجارية وتسويقية بحتة، تجعل من هذه المنظومة أداة مالية ضخمة بقدر ما هي رياضية.
ولعل المثال الأوضح مجموعة سيتي لكرة القدم (CFG)، التي تبسط سيطرتها الكاملة أو الجزئية على 17 ناديًا حول العالم. داخل أوروبا وحدها، تملك المجموعة أو تساهم في 7 أندية بارزة مثل "مانشستر سيتي "النادي الأم"، جيرونا الإسباني، باليرمو الإيطالي، تروا الفرنسي، لوميل البلجيكي، فان الفرنسي، وباشاك شهير التركي". وبافترض أن متوسط قوام الفريق الأول في كل نادٍ يبلغ 34 لاعبًا، فإن المجموعة تتحكم فعليًا في ما يقارب 581 لاعبًا موزعين داخل القارة العجوز.
هذا النموذج لا يقتصر على مجموعة سيتي وحدها؛ بل أصبح ظاهرة عالمية. في موسم 2023-2024 مثلًا، ارتفعت نسبة الأندية المملوكة ضمن هذه الشبكات في الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى إلى 41.7% (40 ناديًا من أصل 96)، بعدما كانت النسبة 36.7% فقط في الموسم السابق. وبحسب تقارير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، فإن "ما يقارب 125 مجموعة استثمارية، تتحكم حاليًا في نحو 380 ناديًا، يضمون ما يزيد عن 13 ألف لاعب".
هذه المنظومة غيّرت قواعد اللعبة بشكلٍ كامل. فبدلًا من دفع مبالغ ضخمة لتطوير اللاعبين من الصفر، تقوم المجموعات بشراء مواهب بأسعار منخفضة من أسواق أصغر، ثم تطويرها داخل أنديتها التابعة، قبل أن تُباع أو تُنقل بعائد أكبر، سواء داخل المجموعة أو خارجها. النتيجة: خفض تكاليف التطوير وزيادة كفاءة رأس المال. لكن في المقابل، ارتفعت أسعار اللاعبين بشكل ملحوظ لتفادي تضارب المصالح وضمان الالتزام بلوائح اللعب المالي النظيف، وهو ما جعل السوق أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
💡 هل تعلم
بحسب معدلات التضخم في سوق الانتقالات، فإنّ صفقة إيزاك إلى ليفربول (130 مليونًا) قد تصل قيمتها إلى نحو 377.5 مليون جنيه إسترليني خلال عشر سنوات فقط.


